الجزائر بحاجة لثقافة رسكلة النفايات

ستُعقد في الأيام القليلة القادمة بولاية باتنة ندوة علمية في موضوع (ثقافة إعادة تدوير النفايات لدى العائلات الجزائرية). الموضوع مهم جدا لسببين: الأول الاتجاه العام لاستهلاك الطاقة في الجزائر، وهو اتجاهٌ متزايد يكلف الموازنة ملياري دولار سنويا، وسيأتي على جميع ما تنتجه البلاد من الطاقات الأحفورية آفاق العام 2050 في انتظار بلوغ الطاقات المتجددة سقف الـ22 ألف ميغاواط العام 2030، وهو هدف مستبعد بالنظر الى وتيرة الإنتاج الحالي من هذا النوع من الطاقات.

أما السبب الثاني الذي يجعل الموضوع مهما واستراتيجيا فيعود إلى الخطاب الرسمي للحكومة والمتعلق بالسياسة الوطنية في مجال رسكلة النفايات إذ لا تتعدى النسبة عتبة الـ7 من المائة، ما يعني أن الضرورة باتت ملحَّة لتنخرط العائلات الجزائرية والمؤسسات الصناعية بشقيها العام والخاص في مسعى الحكومة الذي يعني تسخير جميع إمكانات الدولة في إنتاج الطاقات الخالية من الكربون تحسُّبا لمرحلة الاقتصاد الأخضر بدءا من النصف الثاني من القرن الحالي.

322 كلغ نفايات لكل مواطن جزائري تعدُّ الجزائر من أكثر الدول إنتاجا للنفايات وخاصة النفايات المنزلية بسبب الدعم الحكومي للأسعار وهشاشة يقظة الاستهلاك، ما أثر سلبا على معيارية المدينة وسلامة البيئة. وينتج كل مواطن جزائري في المتوسط 322 كلغ نفايات في العام الواحد ما يعني 13.5 مليون طن سنويا على مستوى الوطن. وإذا أضفنا الى النفايات المنزلية النفايات الصناعية فالرقم يرتفع إلى 23 مليون طن ما يعني سوقا حقيقية لتكنولوجيا متطوّرة اسمها (الرسكلة الصناعية).

وفي نفس الوقت، يتطوَّر الطلب على الطاقة في الجزائر بنسبة تتراوح بين 2.5 و3 من المائة، ما سيرفع الطلب الاجمالي العام 2030 الى 100 مليون طن مكافئ نفط، في حين لا تتعدى قدرات الانتاج حاليا 30 مليون طن مكافئ نفط. ويلامس العجز في إنتاج الطاقة بالجزائر العام 2017 سقف 10 ملايين طن، وهو ما يفسر لنا فاتورة استيراد الطاقة عند مستوى ملياريّْ دولار في السنة المذكورة.

حلّ الطاقات المتجددة تشكل النفايات حلا مفضلا لإنتاج الطاقة العضوية يعطي للرسكلة مفهوما أعمق، إذ تؤول الرسكلة الصناعية التقليدية إلى إنتاج نفايات جديدة ولكن بعمر أعلى في حين تحوِّل الطاقات المبنية على المواد العضوية نفايات العائلات والمصانع إلى مصدر نظيف ومستديم وصديق للبيئة وللطاقة، ما يدعم فكرة التخلص من الكربون في هندسة اقتصاديات النصف الثاني من القرن الحالي، إذ ستنحو الدول منحى الاتحاد الأوربي في تطبيق الاقتصاد الأخضر على أوسع نطاق بدءا من العام 2050.

وستمكن الفكرة الجديدة من إطلاق أسواق ناشئة للطاقات العضوية تقودها حاليا ألمانيا بمشاركة لبنان؛ إذ تمثل الأولى المستورد رقم واحد وتمثل الثانية المصدِّر الأول، لكن في نهاية المطاف نحن أمام ميزان تجاري جديد هو الميزان التجاري للنفايات المؤدية إلى إنتاج الطاقة، وعلى باقي الدول ومنها الجزائر استباق الزمن لحيازة تكنولوجيا الطاقات العضوية أسوة بباقي الطاقات المتجددة حيث المزايا النسبية عالية بل أعلى من المحروقات في المستقبل المنظور أي آفاق العام 2030.

حدود الطاقة الشمسية للطاقة الشمسية ميزة نسبية عالية لصالح الجزائر على أساس 3400 ساعة سنويا، ولكن حدودا كثيرة تواجهها ليس أقلها حجم الاستثمارات والتمويل وشروط الدول المستوردة للطاقة ومنها دول شمال المتوسط والاتحاد الأوربي. ولهذا من الإستراتيجيا تنويع بوابة الطاقات المتجددة في تصميم خارطة الطاقة في صناعة الغد الجزائري للتحرر تدريجيا من التبعية التكنولوجية للخارج، وربما حان الأوان لإشراك خبراء طاقة التدفق التي تشمل الطاقات العضوية والحرارية والمائية وطاقة الرياح لتطوير حلول الطاقات البديلة عن طاقة المخزون التي هي النفط والفحم والغاز والنووي.

استراتيجية الطاقات البديلة المبنية على طاقات التدفق ومنها الطاقة المبنية على رسكلة النفايات تسمح لنا بتوفير الكهرباء للجزائريين للمدى البعيد بشرط تطبيق معيارية النجاعة الطاقوية لكي تتمكن العائلات من الاستهلاك في حدود المداخيل. كما تسمح نفس الاستراتيجية بتطوير فروع صناعية جديدة تدعم سوق التشغيل وترفع منسوب البحث والتطوير وتفتح أمام الجزائريين أبوابا لا تزال مجهولة نحو نموٍّ مستديم في مستوى 7 من المائة سنويا.

الشروق اليومي